محمد حسين هيكل

251

حياة محمد ( ص )

الفصل الثاني والعشرون عمرة القضاء ركب المسلمين إلى مكة - جلاء قريش عن مكة - نزول المسلمين بها - طواف محمد وهرولته - زواج محمد بن ميمونة - رغبته إلى قريش أن يعرس بمكة ورفضهم ذلك - إسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة . خروج المسلمين إلى مكة استدار العام بعد الحديبية ، وأصبح محمد وأصحابه في حلّ بعهدهم مع قريش من الدخول إلى مكة ومن زيارة الكعبة . لذلك نادى الرسول في الناس كي يتجهزوا للخروج إلى عمرة القضاء بعد أن منعوا من قبل منها . ومن اليسير عليك أن تقدّر كيف أقبل المسلمون يلبّون هذا النداء ، ومنهم المهاجرون الذين تركوا مكة منذ سبع سنوات ، ومنهم الأنصار الذين كانت لهم مع مكة تجارة وبهم إلى زيارة البيت الحرام هوى ، لذلك زاد الركب إلى ألفين بعد أن كان ألفا وأربعمائة في العام الذي سبقه ، وتنفيذا لعهد الحديبية لم يحمل أحد من هؤلاء الرجال سلاحا إلا سيفا في قرابه . ولكن محمدا كان يخشى الغدر دائما . فجهّز مائة فارس جعل على رأسهم محمد بن مسلمة ، وبعثهم طليعة له على ألّا يتخطّوا حرم مكة ، وأن ينحدروا إذا هم بلغوا مرّ الظّهران إلى واد قريب منها . وساق المسلمون الهدي أمامهم ستين ناقة وقد تقدّمهم محمد على ناقته القصواء ، وساروا من المدينة يحدوهم شغف أيّ شغف بالدخول إلى أمّ القرى والطواف ببيت اللّه ، ويرقب كل واحد من المهاجرين أن يرى البقعة التي ولد فيها ، والبيت الذي شبّ عن الطوق بين جدرانه ، والأصحاب الذين غادروا ، وأن يتنسم عرف هذا الوطن المقدّس وأن يلمس في إجلال وإعزاز ثرى القرية المباركة الميمونة التي أنجبت الرسول والتي نزل فيها أوّل ما نزل من الوحي . وتستطيع أن تتصوّر هذا الجيش من المسلمين وعدتهم ألفان يغذّون سيرهم تطفر « 1 » أمامهم قلوبهم وترقص جذلا أفئدتهم ؛ فإذا أناخوا جعل كلّ منهم يقصّ على أصحابه آخر عهده بمكة أو أيّام طفولته بها ، أو يحدّث عن أصدقائه فيها ، أو عن المال الذي ضحى به في سبيل اللّه عند هجرته منها . تستطيع أن تتصور هذه المظاهرة الفذة من نوعها ، يزجي سيرها الإيمان ، ويجذب أصحابها إليه بيت جعله اللّه مثابة للناس وأمنا . إنك إذا لترى بعين بصيرتك أيّ طرب كان يستخفّ هؤلاء الذين حيل بينهم وبين هذا الفرض المقدّس إذ يسيرون إليه ليدخلوا مكة آمنين ، ومحلّقين رؤسهم ومقصّرين ، لا يخافون .

--> ( 1 ) الطفر : الوثوب .